ابن قيم الجوزية
92
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
منوي معلوم ، وإن كان غير مذكور في اللفظ ، وذكر سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم أئمة الرسل وأكرم الخلق عليه محمد وإبراهيم وموسى ، وقد قيل « من قبل » أي : في حال صغره قبل البلوغ ، وليس في اللفظ ما يدل على هذا ، والسياق إنما يقتضي من قبل ما ذكر . وقيل : المعني بقوله « من قبل » أي : في سابق علمنا ، وليس في الآية أيضا ما يدل على ذلك ، ولا هو أمر مختص بإبراهيم ، بل كل مؤمن . فقد قدّر اللّه هداه في سابق علمه ، والمقصود قوله : وكنّا به عالمين . قال البغوي : أنه أهل للهداية والنبوة ، وقال أبو الفرج : أي عالمين بأنه موضع لإيتاء الرشد . وقال صاحب الكشاف : المعنى علمه به أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وحمدها حتى أهّله لمخالّته ومخالصته ، وهذا كقولك في حر من الناس : أنا عالم بفلان . فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف ، وهذا كقوله اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ( 124 ) [ الأنعام ] وقوله وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ ( 32 ) [ الدخان ] ونظيره قوله * إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ( 33 ) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 34 ) [ آل عمران ] وقريب منه قوله وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ( 81 ) [ الأنبياء ] حيث وضعنا هذا التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي . فصل وهو سبحانه كما هو العليم في اختياره من يختاره من خلقه ، وإضلاله من يضله منهم ، فهو العليم الحكيم بما في أمره وسرعه من العواقب الحميدة